ملا محمد مهدي النراقي

308

انيس المجتهدين في علم الأصول

الفعل أو الترك يجب الإتيان بمثله . فإن قيل : على ما ذكرت تدلّ الآية على عموم وجوب التأسّي ، بمعنى وجوب كلّ ما فعله وعلم وجهه علينا ، ومنه المندوب والمباح ، فيلزم وجوبهما علينا « 1 » . قلت : مقتضى الآية ذلك ، ولكن دلّ الدليل الخارجي على عدم وجوب التأسّي فيهما ، فيخرجان عن عمومها ، ويكون التأسّي في الندب ندبا ، وفي المباح مباحا . أو نقول : المفهوم من الآية مطلق طلب الأسوة الشامل للواجب والمستحبّ ، والذمّ والتهديد باعتبار أحد جزءيه « 2 » ، ولا يشمل الأسوة فيها الأسوة في المباح ؛ لأنّ المراد من الأسوة فيها الأسوة فيما قصد فيه القربة ، كما يدلّ عليه سياقها . والإيراد المذكور يرد ظاهرا على جميع ما نذكر ممّا يدلّ على عموم وجوب الاتّباع والتأسّي . وينبغي الجواب عنه بأحد الوجهين . وقد أجاب المحقّق « 3 » عن أصل الاحتجاج بأنّ « الأسوة » ليست من ألفاظ العموم ، فتصدق بالمرّة الواحدة ، وقد توافقنا على وجوب التأسّي به في بعض الأشياء ، فلعلّ ذلك هو المراد . ولا يخفى أنّ العرف يفهم منه وجوب التأسّي به في جميع الأمور ؛ فإنّه لا يقال عرفا : « لفلان أسوة في فلان » إذا كان تابعا له في أمر واحد . ولنا أيضا : قوله تعالى : فَاتَّبِعُوهُ « 4 » ، وقوله تعالى : فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 5 » ، والأمر للوجوب ، والاتّباع يشمل الاتّباع في القول والفعل . والثاني الإتيان بالفعل بالوجه الذي فعله ، وهو ما نحن بصدد إثباته ، فثبت منه « 6 » المطلوب . والإيراد عليه بمثل ما أورد على آية الأسوة قد عرفت جوابه « 7 » بأحد الوجهين .

--> ( 1 ) . مع كونهما غير واجبين عليه صلّى اللّه عليه وآله . ( 2 ) . كذا في النسختين . والأولى : أحد فرديه . ( 3 ) . معارج الأصول : 119 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 153 . ( 5 ) . آل عمران ( 3 ) : 31 . ( 6 ) . في « ب » : « فيثبت عنه » . ( 7 ) . آنفا .